المنجي بوسنينة
137
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
المنذر . وحدث أن أرسل جماعة من بكر وتغلب إلى جبل طيّىء في أمر ، فنزلوا على ماء لبني شيبان وهم من بكر . فمنع البكريون التغلبيين من ورود الماء فماتوا عطشا . طلبت تغلب ديتهم من البكريين فاختصما وتحاكما إلى عمرو بن هند ، وكان الحارث بن حلّزة شاعر بكر ، وعمرو بن كلثوم شاعر تغلب وسيّدها . أنشد ابن كلثوم أمام عمرو بن هند قسما من معلقته فافتخر بقومه وغالى ، دون أن يراعي مكانة للملك . ولما كان عمرو بن هند قد طرد خطيب البكريين النّعمان بن هرم انبرى الحارث بن حلّزة للدفاع عن قومه ، فألقى معلّقته يرد بها على عمرو بن كلثوم في أناة وهدوء لاذع ، مفنّدا قوله ومعدّدا مواقف البكريين مفاخرا بهم حتى ضرب به المثل فقيل : « أفخر من الحارث بن حلّزة » ، وحمّل التغلبيين مسؤولية الحرب ، ومدح الملك وقومه فاستماله إلى جانب البكريين فقضى لهم على تغلب . عمّر الحارث بن حلّزة طويلا ، وتوفي نحو سنة 42 ق ه . نحو 580 م . وذكر أن له ولدين : عمرو ، ذكره في شعره يوصيه بالكرم ، ومذعور . الحارث بن حلّزة شاعر مقلّ . وما وصل إلينا من شعره وجمع قليل ، وأغراضه في أكثرها تدور حول الفخر والحماسة والمدح ، وإنّما أبرزه وأهمه المعلّقة ، التي أعجب بها الباحثون والأدباء وعدّوها من روائع الشعر الخطابي ، وخير نموذج للشعر السياسي في الجاهلية . وبفضلها اعتبر الحارث من الشعراء المجيدين . قال أبو عبيدة : « أجود الشعراء قصيدة واحدة طويلة ثلاثة نفر : عمرو ابن كلثوم ، والحارث بن حلّزة ، وطرفة بن العبد » . من ميزات المعلّقة أنها إلى جانب حسن ديباجتها وفصاحة ألفاظها وسهولة تعابيرها ، وترتيب أجزائها وأفكارها ، ذات فوائد تاريخية ، فهي تجمع طائفة من أيام العرب وأخبار القبائل المشاركة فيها ، وتتصف بالإيجاز ، الذي هو خاصة في شعر الحارث ، منه قوله في وصف تأهب القوم للقتال : أجمعوا أمرهم عشاء فلمّا * أصبحوا ، أصبحت لهم ضوضاء من مناد ، ومن مجيب ، ومن تصهال * خيل ، خلال ذاك رغاء فهذان البيتان يعتبران مثالا في البلاغة والإيجاز . افتتح الحارث بن حلّزة معلّقته بالغزل وذكر الفراق ، ولم يطل إذ انتقل إلى وصف ناقته « التي يستعين بها على الهم » ، ولكنه لم يلبث أن انتقل إلى غايته ، دون أن يضيّع وقته ، مستهلا هذا الانتقال بذكر دعوى تغلب على بكر ، موطئا للبدء في الدفاع عن قومه : وأتانا من الحوادث والأنباء * خطب نعنى به ونساء أنّ إخواننا الأراقم يغلون * علينا ، في قيلهم إحفاء . . ، ثمّ يشرع في الرد على عمرو بن كلثوم ، وإبطال دعواه ، لينتقل إلى ذكر مفاخر البكريين فمديح عمرو بن هند : ملك أضرع البريّة لا يوجد * فيها ، لما لديه ، كفاء